الشيخ محمد الصادقي الطهراني
360
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
3 : خطوة تكملة الحجة بعدهما تأكيدا للأولى بعد تلك المفاصلة : « فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ . . » وهنا « أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ » صارح في رسالته ، صارخ في دعوته ، إذ كانت بالغة ، ثم « فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ » تأكيدا لصالح الدعوة ، وإزالة العرقلة مالية قد تمنع دون تصديقها ، فقد خلصت دعوته في بعدي الروحية والمالية ، فائضة من كل متطلباتها كدعوة ربانية ، فاضية عن موانع الإقبال إليها كسؤال أجرة . وفي نظرة أخرى إلى الآية ، قد تلمح « نَبَأَ نُوحٍ » بصيغة الإفراد ، أن تهديهم السافر أمام تلك الجموع المحتشدة ضده ، المعرقلة دعوته ، بتحضير مربع طاقاتهم وإمكانياتهم قضاء إليه ، وليس له إلا توكله على ربه ، تلمح أنه يقول ما يقوله صدقا دونما ادعاء خاو هاو ، وهذا على حده كأنه نباءه عليه السلام مع ما كانت له أنباء وأبناء ، حيث الرسول النافض يديه عن بلاغة بعد كل الحجج المثبتة لرسالته ، لو لم يكن في الحق رسولا كان يضعف ، لا أن يتضاعف بذلك المربع البارع الذي كلّ من أضلاعه كاف واف لاثبات حقه حقّه . ثم « مقامي » قد تحتمل مثلث معانيها : قياما بمكانه وزمانه في دعوته ، ومن ثم تطلبه إجماعهم في أمرهم وشركاءهم دونما إبقاء ، تدليلا على أن جمعية قواتهم كليلة عليلة عن مقاومته في دعوته . وبعد كل ذلك « ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ » دون « عليّ » لمحة لعدم مكنتهم للقضاء عليه ، إنما إليه ، قصدا للقضاء عليه ولن يقضوا عليه أبدا . فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) . لقد غرقوا بما كذبوا ومرقوا ، ونجى نوح والذين معه في الفلك فلم يغرقوا « وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ » من بعدهم يخلفونهم في استمرارية الحياة « فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ » . وهكذا انطوى طومار هؤلاء الأنكاد عن بكرتهم على كثرتهم ، ونجى نوح والذين معه في الفلك على قلتهم إذ « ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ » .